هل ما زال الاستشراق قائمًا؟
Paul L. Heck
أستاذ في جامعة جورج تاون، واشنطن العاصمة
في أواخر شهر أيار/مايو 2026، اجتمعتُ مع مجموعة من الزملاء والطلاب في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية، حيث كنتُ أستاذًا زائرًا خلال العام الدراسي 2024–2025، لمناقشة موضوع الاستشراق ودلالته المعاصرة. وفي ختام الجلسة، طرح الزملاء سؤالين لافتين: أولًا، هل لا يزال الاستشراق قائمًا؟ ثانيًا، هل من الأنفع التخلّي عن المصطلح، لأنّه لم يعد يصف واقعاً فعليًا؟
لا بدّ من الالتفات إلى مثل هذه الأسئلة؛ إذ لا يزال كثيرون يتشبّثون بتصورات عن الاستشراق لم تعد لها صلة بالواقع، ويوظّفها بعضهم لأغراض بعيدة عن العلم والمعرفة ورسالة الجامعة، مما يعزّز الاعتقاد بأنّ العلاقة بين الشرق والغرب لا يمكن أن تتجاوز العداء والصدام. غير أنّ هذا التصوّر يحجب عن الطالب الآفاق الجديدة التي أخذت تتبلور في السنوات الأخيرة في حقل الاستشراق، وهي آفاق من شأنها أن تحرّره من أثقال الماضي، فتتيح له الإسهام في تعزيز الروابط الفكرية بين الشرق والغرب
أولًا، ينبغي التمييز بين الاستشراق والدراسات الشرقية. فالأوّل يقوم على افتراض أنّ بعض الثقافات أرقى من غيرها بطبيعتها، وأنّ الشرق والغرب محكومان بالصدام لا بالتفاهم. أما الدراسات الشرقية فهي دراسة الشرق، أدناه وأقصاه، من حيث لغاته وأديانه ومجتمعاته وآدابه، وسائر مظاهره الإنسانية، بهدف تحصيل العلم والمعرفة لذاتهما، لا توظيفهما لأغراض أخرى
كما ينبغي القول—استنادًا إلى خبرتي في بلدان العرب على مدى خمسةٍ وثلاثين عامًا—إنّ الحديث عن الاستشراق في هذه البلدان ينصرف في الغالب إلى الدراسات الإسلامية في الغرب، ويغلب عليه الاعتقاد بأنّ الغاية منها إضعاف الأمّة الإسلامية وإثارة الفتنة في صفوفها. غير أنّ المتخصّص يدرك أنّ دراسة الإسلام في الغرب قد مرّت بتحوّلات متعدّدة، ارتبط كلّ منها بسياقه الفكري وافتراضاته المعرفية والمنهجية. وبوجه عامّ، يمكن الحديث عن ثلاث مراحل في دراسة الإسلام في الغرب
أولًا، في مرحلة ما قبل الحداثة، التي تشمل القرون الوسطى وعصر النهضة في أوروبا الغربية، لم يدرس المسيحيون في الغرب الإسلام لذاته، بل في إطار ثلاثة مجالات رئيسة: تاريخ الكنيسة، وعلوم الكتاب المقدّس، وعلم المناظرة. وبعبارة أخرى لم يفصل الباحث في تلك المرحلة بين دراسة الإسلام ودراسة دينه، فوجد نفسه مضطرًّا إلى دراسة الإسلام كلّما تناول تاريخ الكنائس في المشرق والتطوّرات التي شهدتها بعد ظهوره. كما درس العربية القرآنية لتدقيق فهمه لألفاظ الكتاب المقدّس بالعبرية، وأخيرًا درس الإسلام لفهم علاقته بالمسيحية وإثبات أنّ هذه الأخيرة لا تزال الخاتمة الروحية للرسالة السماوية
وبالمثل، في المرحلة نفسها، لم يدرس المسلمون المسيحية لذاتها، بل في إطار ثلاثة مجالات: تاريخ الأمّة، وعلوم القرآن الكريم، وعلم المناظرة. لذا لم يفصلوا بين دراسة المسيحية ودراسة الإسلام، فوجدوا أنفسهم مضطرّين إلى الاطّلاع على المسيحية كلّما تناولوا تاريخ الأمّة، لِما للمسيحية من حضور في دار الإسلام، كما درس الكتاب المقدّس لتوسيع ففهمهم لقصص القرآن الكريم، وأخيرًا درسوا المسيحية لفهم علاقتها بالإسلام وإثبات أنّ هذا الأخير جاء خاتمًا للرسالة السماوية ومهيمنًا عليها
ثانيًا، مع بروز الحداثة، ولا سيما منذ القرن التاسع عشر، تغيّرت الموازين مع صعود القوى الغربية وبسط هيمنتها على بلدان الشرق، بما فيها بلدان العرب. فمن جهة، استفادت هذه القوى من الدراسات الشرقية في إدارة الأقاليم التي أُلحقت بمشاريعها الاستعمارية. ومن جهة أخرى، وبفعل هذه الهيمنة العالمية، ترسّخ لدى كثيرين، في الشرق والغرب على السواء، افتراض مؤدّاه أنّ الغرب يتبوّأ بطبيعته موقع الصدارة في الحضارة الإنسانية، وأنّ سائر الشعوب لا سبيل لها إلى التقدّم إلا بتقليده. لذا شاع الاعتقاد بأنّ المشاريع التعليمية الرامية إلى ترقية الشعوب الأخرى ينبغي أن تسير جنبًا إلى جنب مع مسار الاستعمار
والأهمّ من ذلك أنّ رؤيةً ثقافيةً ومعرفيةً جديدةً تبلورت في خضمّ الحداثة. وقد سبق القول إنّ الاستشراق شيء، والدراسات الشرقية شيء آخر، فالأوّل قام على الحاجة إلى الهيمنة على البلدان المستعمَرة، في حين كان المتخصّص في الدراسات الشرقية في الجامعات الغربية يسعى إلى اكتساب العلم والمعرفة لذاتهما دون أغراض أخرى. غير أنّه لم يعد يدرس الإسلام بالرؤية الدينية السائدة في مرحلة ما قبل الحداثة، بل أخذ يتناوله بمناهج حديثة لا تأخذ الدين في الاعتبار بأيّ وجه من الوجوه
باختصار، مع الحداثة، درس الباحث في الجامعات الغربية مختلفة مجالات الحياة، بما فيها الدين، برؤية منهجية تأسّست على مفهوم للعلم قوامه أنّ حقائق الوجود لا تُدرك إلا بالتجربة الحسّية. ومن ثمّ، ما لا يمكن إدراكه بالحواسّ لا يُعدّ علمًا بالمعنى الحديث، بما في ذلك عقائد الدين. وهكذا حلّ العلم الحديث محلّ الدين فيما يتعلّق بالكشف عن حقائق الوجود وإرشاد المجتمع
ومن اللافت أن هذه الرؤية الجديدة للمعرفة أدت أيضًا إلى تصنيف البشر وفقًا لمعايير الحداثة المعرفية. فهؤلاء الذين قبلوا سيادة العلم الحديث بوصفه أساس التقدم عُدّوا متفوّقين في الحضارة، في حين عُدّ الذين تمسّكوا بالتقاليد الدينية بوصفها مصدرًا للمعرفة والهداية متخلّفين عنها، وكأنّ التقدّم في العلم الحديث أصبح معيار القيمة الإنسانية والأخلاقية. ويجدر بالذكر أنّ هذه الرؤية لم تؤثّر على نظرة الجامعات الغربية إلى شعوب الشرق فقط، بل إلى شعوب الغرب أيضًا. فعلى سبيل المثال، في أوروبا، صُنِّفَ الفلاحون المسيحيون الذين كانوا يتوسّلون بالقدّيسين ضمن فئات المتخلّفين، باعتبار أنّ شفاعة القدّيسين أمر لا يُدرك بالحواسّ، تمامًا كما صُنِّفَ الفلاحون المسلمون في المشرق، الذين كانوا يتوسلّون بالأولياء، ضمن الفئات نفسها
وهكذا، في الجامعة الحديثة، لم تقتصر دراسة الدين، من خلال إخضاع معانيه ومقاصده لمعايير العلم الحديث، على الإسلام وحده. فلم يكن الاستشراق، بمعنى الدراسات الشرقية بما فيها الدراسات الإسلامية، يهدف إلى التقليل من شأن الإسلام تحديداً، بل نظر إلى جميع الأديان، بما فيها المسيحية، من المنظور نفسه؛ أي بوصفها متخلّفة ما لم تتخلَّ عن تقاليدها وتتماهَ مع افتراضات العقل الحديث، الذي قد يقرّ بوجود الخالق، ولكنّه لا يقبل، بأي شكل من الأشكال، مزاعم الرسالات السماوية
وبعبارة أخرى لا يقبل العقل الحديث أنّ الدين يمكنه أن يعرّف نفسه، لأن موضوعه يتجاوز عالم الشهادة، في حين أن هذا العقل لا يسلّم إلا بما يمكن إدراكه بالحواسّ. لذا لا بدّ من دراسة الدين بمناهج مستمدّة من علوم الدنيا، مثل علم الاجتماع وعلم النفس وغيرهما. وهكذا انتهى العقل الحديث إلى القول إنّ الدين لا قيمة معرفية له في ذاته، فكيف يمكنه أن يعرّف نفسه؟ لذلك لا ينظر العقل الحديث إليه بوصفه هدى من الله، بل بوصفه مجرّد طقوس أنتجها المجتمع ليلتفّ حول سلطته، بما يضمن تماسكه. ووفقًا لهذا التصوّر، يصبح الدين مرادفًا للخضوع للجماعة، مما يجعله نقيضًا للإبداعية الفردية وعائقًا أمام التقدم
إذن، قد أُعيد تعريف الدين بوصفه مجرّد تقاليد اجتماعية قديمة في مقابل المجتمع الحديث الذي يحكمه العلم، مما أعمى العقل الحديث عما يحمله الدين من دلالة معرفية تكشف للإنسان عن سنن العناية الربّانية بالخلق، وترتقي به إلى حياة جديدة في ظلّ الخالق. وهكذا قد نستغرب اليوم كيف سعى العقل الحديث إلى فهم الدين دون أن يأخذ الدين نفسه، ولا علومه، في الاعتبار
ومما لا بدّ من التشديد عليه في هذا السياق أن المستشرق بهذا المعنى، الذي تأثّر بالرؤية الحديثة إلى الدين دون أن يشعر، لم يتآمر على الإسلام ولا على غيره من الأديان، فلم يدرسه ضمن الدراسات الشرقية من أجل أغراض استعمارية، بل من أجل العلم والمعرفة. إلا أنّ موازين الجامعات الغربية تغيّرت مع الحداثة، إذ تراجعت سلطة الدين لصالح سلطة العقل الحديث
أما اليوم فقد تراجعت مقاييس الحداثة نفسها، ودخلنا مرحلة جديدة يكتنفها الغموض حتّي في أوساط الجامعة الحديثة. فما الذي يجري اليوم في دراسة الأديان في الغرب عمومًا، وفي دراسة الإسلام خصوصًا؟ وما هي مناهج الاستشراق اليوم؟
هناك ثلاثة اتّجاهات. الأول يحافظ على الرؤية الحديثة التي تعتبر الدين ظاهرة إنسانية بحتة، دون الالتفات إلى أبعاده الربّانية. لذا يدرس باحثو هذا الاتّجاه الأديان عمومًا، والإسلام خصوصًا، بمناهج مستمدّة من علوم الدنيا، مثل علم الاجتماع وعلم النفس والعلوم السياسية، دون أخذ الدين وعلومه في الاعتبار. وهم لا يتآمرون على الدين، بل يدرسونه وفقًا للمناهج الحديثة
وفي خبرتي، يظنّ الطلاب في المشرق والمغرب أنّ أحداً في الغرب لا يدرس الإسلام إلا بهذا الاتّجاه الأوّل، وذلك لإثبات أنّ الإسلام متعارض مع العقل الحديث. وهكذا يغفلون عن الاتّجاهين الآخرين اللذين باتا يتجاوزان هذا الاتّجاه بآفاقهما الجديدة
أما الاتّجاه الثاني فيمثّله أبناء المسلمين الذين هاجروا إلى الغرب، ومن بينهم متخصّصون في الاستشراق، بل إنّ هؤلاء أصبحوا اليوم يشكّلون عددًا كبيرًا من أساتذة الدراسات الإسلامية في الجامعات الغربية، ويثرونها برؤية المؤمن، بما تكشفه من معانً للدين لا تُدرك بمناهج االحداثة. هل لا يزال مصطلح الاستشراق صحيحًا وأغلب المستشرقين اليوم هم مسلمون؟
ويتجسّد الاتّجاه الثالث في أبناء المسيحية الذين تبنّوا رؤية الكنيسة الكاثوليكية تجاه الأديان الأخرى. ففي أوائل الستينات من القرن الماضي، وعلى إثر مجمع الفاتيكان الثاني، أصدر أباء المجمع وثيقة أقرّوا فيها بأن الأديان الأخرى قد تكون طرقاً إلى القداسة، أي إلى حياة خالية من قوى الشرّ. وبالتأكيد، لم يذهبوا إلى القول إن جميع الأديان متساوية، بل أكّدوا أنّ المسيحية خاتمة الرسالة السماوية، غير أنّهم أقرّوا بأن أتباع الأديان الأخرى غير محرومين من الهداية الربّانية، مما فتح الأبواب أمام المسيحيين لدراسة الأديان الأخرى، ومنها الإسلام، من أجل الكشف عما تتشارك هي والمسيحية من مفاهيم ومقاصد
ويبدو أن هذه المستجدّات لا تحظى بصدى في النقاشات المتعلّقة بالاستشراق في الجامعات العربية. وبالتأكيد، فإنّ العديد من المسيحيين، كما هو الحال مع العديد من المسلمين، لا يقرّون للأديان الأخرى بقيمة دينية على نحوٍ من الأنحاء، وقد يعتبرون أهلها إخوة في الخلق دون الاعتراف لها بقيمة دينية بأي وجه من الوجوه. ومهما يكن من أمر فإنّ هذا الاتّجاه الثالث، الذي يبرز في الجامعات الكاثوليكية، يضمّ نسبة معروفة من المستشرقين، إلا أنّهم يدرسون الإسلام بناءً على هذه الرؤية المسيحية تجاه الآخر، من أجل الكشف عما يراه الآخر من تجلّيات الهداية الربّانية، بما يؤكّد الروابط الدينية بينه وبين المسيحية
هل يصحّ أن نسمّي غير المسلمين الذين يدرسون الإسلام بوصفه مصدرًا للهداية الربّانية مستشرقين؟
لستُ بالطبع أدعو أحدًا إلى السذاجة إزاء النزاعات بين الدول التي توظّف مختلف العلوم لتعزيز مصالحها. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى الاستشراق الجديد الذي ظهر في مراكز الغرب الأمنية بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، والذي لا تحكمه أهداف العلم ومقتضياته في حد ذاته بقدر ما تحكمه، في المقام الأول، المصالح الأمنية. إلا أنّه لا بدّ من التنبيه إلى أنّ مراكز الدراسات الأمنية في بلدان العرب لا تقلّ عن نظيراتها في الغرب اهتمامًا بالجماعات التي توظّف الإسلام لأغراضها الخاصّة. ومن ثمّ ينبغي التمييز بين الدوافع الكامنة في تلك المراكز عند دراسة ما يجري في بلدان العرب، وبين تلك الكامنة في أقسام الدراسات الشرقية، والتي—كما ذكرتُ للتو—تتنوّع اتّجاهاتها وتدرس الإسلام لاكتساب العلم والمعرفة
في الختام، يمكنني القول، بعد خبرة طويلة في الجامعات الغربية والعربية على حدّ سواء، إنّ طلاب الأولى ليسوا أذكى من طلاب الأخرى، ولا العكس. مع ذلك سُررتُ بالسؤالين اللذين طرحهما الزملاء، واللذين أشرتُ إليهما في بداية المقال، لأنهما دلّا على إدراكهم أنّ مصطلح الاستشراق لم يعد له صلة بالواقع، وأنّ سوء فهمه يحول دون تجاوز الرؤية الضيقة التي تمنعنا من إدراك الخيارات المتاحة أمامنا، ونوعية الروابط الفكرية التي يمكن أن نبنيها مستقبلًا بين بلدان العرب وبلدان الغرب