اللذة : وزنها في الإيمان ودورها في حصول رضى الرحمن

 (Paul L.Heck) بقلم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. اليوم نواصل الحديث عن اللذة من حيث لذّات الحياة ووزنها في ميزان الإيمان. سنركز على عالمين من أشهر العلماء الذين كتبوا في الموضوع هما

Erasmus (1466-1536)

Erasmus (1466-1536)

(Erasmus) و (Thomas More)

Thomas More (1478-1535)

Thomas More (1478-1535)

أولاً لا بد من طرح السؤال الذي سيدور حديثنا حوله : ما هي الغاية التي خُلِقَت اللذة من أجلها؟

فلنبدأ بنص من القاعدة في المحبة لابن تيمية : “لهذا تجد القوم من الظالمين أعظم الناس فجورا وفسادا وطلبا لما يروحون به أنفسهم من مسموع ومنظور ومشموم ومأكول ومشروب ومع هذا فلا تطمئن قلوبهم بشيء من ذلك. هذا فيما ينالونه من اللذة

والمقصود؟ ليست كل لذة تُشبع، ليست كل لذة تُرضي. لم يستوعب أولائك الذين يتكلم عنهم ابن تمية الغاية التي خلقت الذة من أجلها. لو استوعبوا الغاية لشبعوا من اللذة. ولكنهم لم يستوعبوا الغاية، لذا فلم يشبعوا من اللذة ولا رضوا بها ولا تلذذوا بها

لماذا تُشبع هذه اللذة ولا تُشبع تلك؟ ما هي سرّ اللذة؟ يشار الى الأمر في حديث من صحيح مسلم نقله ابن عمر عن النبي صلى الله  عليه وسلم قال الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معي واحد

لماذا يشبع المؤمن بحجم صغير بينما الكافر لا يشبع حتى بحجم كبير؟ المقصود بالكافر في الحديث هو من يطلب اللذة بالاستهلاك دون الشكر. أما المؤمن فهو من يطلب اللذة بالشكر. طلب اللذة من حيث الاستملاك والاستهلاك لا يُشبع ولا يُرضي بينما اللذة باعتبارها هبة من عند الله يُشكر عليها تُشبع وتُرضي

هل يصح أن التلذذ هو ناقص دون الإيمان بمن يُشكر عليه؟ مهما يكن من أمر فيمكن القول إن التلذذ الذي لا يغذّي الشهوات الروحانية بالإضافة الى الشهوات الجمسانية لا يُشبع ولا يُرضي. التلذذ بالشكر هو التلذذ الذي يغذّي كليهما

وأذكّركم بما أتى الغزالي به من تعريف للذة اطلعنا عليه في الحصة السابقة. ليست اللذة مجرد إدراك المشتهى ولا مجرد إشباع المشتهي. ليست اللذة مجرد نقيض الألم، مثلاً، الالتذاذ بالأكل دفعاً لألم الجوع

حسب الغزالي، اللذة أعمق من ذلك. اللذة هي إدراك الملائم. ولا يلائم الإنسان أن يغذّي شهواته الجسمانية دون شهواته الروحانية

فيما يخص اللذة فعلم النفس له رؤية والإيمان له رؤية. والرؤيتان غير متناقضتين. ومن أهدافنا في دراسة اللذة، كما في دراسة الحزن، تسليط الضوء على التفاعل، تفاعل الإيمان مع علم النفس

لا تخافوا أعزائي من العلوم الأخرى. يتفاعل الإيمان مع كل العلوم دون التنازل عن مقاييسه فلا بد من بحوث تثبت ذلك. لا تخافوا على الإيمان. هو قوي لا يسقط بالعلوم بل يغنيها بالتفاعل معها

Pleasure.Purposeحسب علم النفس نشأت اللذة للبقاء والنماء. من لا يطلب اللذة فهو ميت. يطلب الإنسان اللذة ليبقى على الحياة ولينمو، وذلك من حيث الفرد ومن حيث المجتمع على سواء. على سبيل المثال، لا يطلب الإنسان لذة الجماع لنفسه فقط بل لبقاء النوع ايضاً. لهذا السبب يمكن الكلام عن الالتذاذ بالخير. من يطلب اللذة للبقاء والنماء فيلتذ بالخير. فلا يلتذ الإنسان بالشر. إذن، حسب علم النفس، يوجد في دواعي اللذة الفطرية ما يوجّه الإنسان نحو الخير. بطبيعة الحال، من يلتذ بالشر فإنه لا يطلب اللذة وفقاً لدواعيها الفطرية

كذلك يقول علم النفس إن الإنسان يرتاح نفسانياً بالتمتع والتلذذ. ومن يرتاح نفسانياً هو أقدر على التجاوب مع محيطه للخير كما أنه أسرع الى الإحسان الى الغير

ذلك كله بالنسبة الى علم النفس. وذلك كله مقبول عند المؤمن. لا يوجد شيء في ذلك يعارض الإيمان بالله، بل العكس هو صحيح فإن المطلوب من المتخصص في علم الدين التعمق في علم النفس من أجل فهم دواعي اللذة ومجاريها فلا يتحرك الإنسان بشيء مثلما يتحرك بطلب اللذة. لذا فيمكن القول إن الاهتداء بطلب اللذة لا يقل عن الإهتداء بالعقيدة

مع ذلك كله يذهب الإيمان أبعد من أقوال علم النفس في اللذة، وذلك باعتبار اللذة هبة من عند الله. هل يأتي الإيمان بشيء يغني فهمنا للغاية التي نشأت اللذة من أجلها؟Pleasure.Purpose.Family.GoodPleasure.Purpose.Family.Bad

أولاً من يعتبر اللذة هبة فينبغي أن يطلب اللذة بالأدب. يتلذذ المؤمن باعتبار اللذة هبة من عند الله فلا يجوز ذلك إلا بالأدب. هل يليق بالمؤمن أن ينتهم أكله بسرعة وشراهة بلا شكر ولا أدب؟

باختصار، طلب اللذة بالأدب، من حيث صحبة الأصحاب وتبادل الأفكار والأخبار، طلب اللذة على هذا المنوال يزيد من الشعور بوجود الآخر، يزيد من الحس بحضور الجار. هكذا يؤكد طلب اللذة بالأدب أن الأصل في التلذذ هو التلذذ بالمشاركة. إذن، يقوّي التلذذ بالأدب الشعور بالتضامن والتآلف، بل يقوّي الاستعداد لمشاركة الآخرين لذّات الحياة. هكذا تدعونا اللذة بدواعيها الفطرية وما يعقبها من عواقب مثل الشكر، منه نطق الشكر وفعل الشكر على السواء، الى مشاركة المحروم من لذأت المجتمع حظّه فيها لأن اللذّات ليست لذّات الفرد بل هي لذّات المجتمعPleasure.Purpose.Good

بالجملة يقوّي التلذذ بالأدب الاستعداد للتضحية من أجل الآخرين حتى لا يعتقد أحد أنه محروم مما يشكر خالقه عليه بل حتى لا يعتقد أحد أنه محروم من رضى الله بسبب كونه محروماً من لذّات المجتمعPleasure.Purpose.Bad

هل يشبع المؤمن وجاره جائع الى جنبه؟ هل التضحية هي الغاية التي خلقت اللذة من أجلها؟ أمر عجيب

تابعوا معي سلسلة السببية، سببية اللذة من حيث الإيمان

 أولاً، تقوية الاستعداد لإعانة الآخر بل للتضحية من أجله، والمحروم على وجه الخصوص، هي من ثمرات التلذذ بالمشاركة

ثانياً، التلذذ بالمشاركة هو من ثمرات اللتلذذ بالأدب

وثالثا، التلذذ بالأدب هو من ثمرات رؤية المؤمن الى اللذة بكونها هبة من عند اللهLast Supper

إذن، اللذة بالنسبة الى الإيمان هي لذة تشاركية تشير الى غاية خلقت اللذة من أجلها هي تقوية الألفة في المجتمع. وبتقوية الألفة في المجتمع ينتشر السلام. والسلام هو شعار الجنة. هكذا تلذُّذ المؤمن في نهاية المطاف هو مقترن برضى الله لأن السلام، السلام في المجتمع مثل السلام في النفس، هو موقع رضى الله

وذلك كله يتلكم عنه

(Erasmus)

في كتيب صدر له في عام 1536 للميلاد عنوانه المائدة الربانية

(Convivium Religiosum)

وفي كتيب آخر صدر له في عام 1533 عنوانه المتلذذ

(Epicureus)

يسلط الضوء على جانب آخر للذة يخص الإيمانErasmus Image

بالجملة يقول في ذلك الكتيب إن الفاضل هو الذي يعرف اللذة حق معرفتها. هل المؤمن هو المتلذذ في الحقيقة؟ أليس الفاجر هو المنلذذ في الحياة؟ هل يصح أن الفاضل دون الفاجر والفاسق والماجن والمتظرف هو الذي يستوعب اللذة بملئها وهو الذي يدرك اللذة بكاملها؟

الحجة التي يأتي بها مؤلف هذا الكتيب هو أن الفاضل مرتاح الوجدان، غير قلقان، غير مضطرب النفس، لا يؤنبه ضميره، وذلك هو ما يجعله أقدر على التلذذ بالمقصود منه. يذكر المؤلف عدة أمثلة تدل على ذلك المعنى، منها لذة الجماع ولذة الطعام

النص الأول في شأن لذة الجماع : “يتمتع الرجل بمتاع الجماع بقدر ما له من صفاء في قلبه تجاه زوجته، أي بقدر ما هو فاضل. ولا يحب زوجته مثل من يحبها حب المسيح للكنيسة لأن ذلك يدل على حب لا يقتصر على لذة جسمانية. من يحب زوجته حب اللذة الجسمانية فقط لا يحبها على الإطلاق. تتعزز اللذة وتزداد وتنمو بديمومة الألفة التي لا يتمتع بها أحدٌ مثلما يتمتع بها زوجان يحبّان بعضهما بعضاً حباً متساوياً وذلك بصفاء القلب كما يقتضي الأمر الإيمان بالمسيح، وبالإيمان يصفو حب الآخر بحب الله. هناك من يضعف حبه بزوال الشهوة الجسمانية ولكن حب الزوجين حباً مسيحياً لا يزال يتجدد رغم زوال الشهوة الجسمانية. هل يحب الرجل زوجته من أجل الجماع أو لأنه يحبها حب اللذة الحقيقية التي لا يتمتعان بالجماع في الحقيقة إلا بها ألا وهي حسن الألفة والصحبة؟Mature Love

والمقصود هو أن لذة الفاضل هي لذة كاملة تُشبع وتُرضي لِما يقترن بها من حالة الفاضل

والنص الثاني في شأن لذة الطعام : “أما الطاعم الخالص النفس فيرى في المأكولات هبات من عند الله فإن دعاء البركة هو مثل توابل المأكولات لأن هذا الطاعم يخصصها لله بدعاء البركة. كذلك يسمع شيئاً من كتاب الله في أثناء تناول الطعام. ويختمه بنطق الشكر لله واهبه. هكذا يقوم من المائدة دون الشعور بالاتخام بل بالاطمئنان، منه راحة الجسد وراحة النفس على السواء. هكذا الفقير الذي يطعم بالأدب وصفاء القلب يجد مأكولاته البسيطة ألذّ من مأكولات الغني الذي ينتهمها باعتبارها ممتلكاته. القلب الصفي مسكن الله. وأينما يسكن الله هناك الجنة، وأينما تكون الجنة هناك السعادة. هل تتساوى لذّات من يطلبها بعين المتعجب بأعمال الله ولذّات من يطلبها بعين المعجب بنفسه؟

ويذكّرني هذا النص الأخير بطفولتي. عند العشاء بدأنا بدعاء البركة، ثم قرأ الوالد علينا مختاراً من الكتاب أو من قصص الأنبياء والقديسين، ذلك في مقدمة العشاء، ثم صلينا صلاة الشكر عند نهايته. أظن أن الوالد تأثر بهذا الكتيب في أيام الكلية، ما دفعه الى تطبيقه في حياتنا العائلية

المهم : الظاهر هو أن الإيمان يأتي بشيء يغني فهمنا للغاية التي خلقت اللذة من أجلها، يعمى علم النفس عنه، وهو اقتران الفضيلة باللذة واللذة بالفضيلة. من هو مرتاح الوجدان أمام خالقه، من هو مطمئن النفس أمام ربه، راض عنه فمرضي عنه، هو الذي يتلذذ بما يتلذذ به بكامله. بعبارة أخرى التمتع برضى الله هو شرط من شروط التلذذ بالمقصود منه، لأن من هو غير مطمئن النفس لا يتلذذ بما يتلذذ به، لا يشبع. ربما قصد ابن تيمية هذا المعنى فيما قاله في القاعدة في المحبة بشأن من يفرط في التلذذ إلا أن قلبه لا يطمئن

ويشير مؤلف الكتيب الى نقطة هامة هي أن الفضائل تترسخ بالالتذاذ. هل الإنسان فاضل لأنه يخضع لأحكام تصدر من خارجه وليس من داخله؟ قد يخضع لها بالإكراه. هل الفاضل بالإكراه هو فاضل بالفعل؟ أو هل الإنسان فاضل لأنه فاضل بالفطرة؟ والفاضل بالفطرة هو من فضائله مَلَكات، أي قوى داخلية

لا يتملك الإنسان الفضائل، لا ترسخ الفضائل في النفس، لا تتأصل الفضائل في النفس إلا بالالتذاذ بها

بعبارة أخرى تصبح الفضائل قوى داخلية ينقاد لها الإنسان بالحرية عندما تكون الفضائل لذيذة

للأسف، يبدو أن عدداً كبيراً من طلبة الدراسة العليا لم يلتذوا بعد بفضيلة العلم، وخير دليل على ذلك هو الغياب وعدم الجواب لأبسط الأمور فيما يخص طلب العلم. هل يكسل في طلب العلم من يلتذ بفضيلته؟

وأسوأ من ذلك هو حال من لا يلتذ بفضيلة العلم من طلبة الدراسة العليا فيسعى الى تبرير النفس بالقول إن الدرس غير واضح. لماذ لا يستفسرون؟ لماذا لا يجلسون بصحبة الأساتذة والطلبة الآخرين ويسألون؟

والآن نتطرق الى

(Thomas More)

والقصة الخيالية التي كتبها عوانهاUtopia Book

(Utopia)

ومن الجدير بالذكر أن

(Erasmus) و (Thomas More)

كانا صديقين تراسلا وتبادلا الأفكار حول الدين والأدب وما الى ذلك

في تلك القصة يصف المؤلف الحياة الفاضلة في جزيرة خيالة منعزلة عن بقية الحضارة الإنسانيةUtopia Islan

واللافت هو أن تلك الجزيرة لا توجد فيها فكرة الملكية الخاصة على الإطلاق. لذلك لا يوجد اللتذذ بالاستملاك والاستهلاك

هكذا، دون وجود الملكية الخاصة، دون حق الملكية الخاصة، فلا يمكن إلا التلذذ بالمشاركة. لذلك يستغرب أهل الجزيرة من شخص يجمع الأموال والأملاك لنفسه. ويذكر ذلك راوي القصة في النص التالي : “هل يفرح بالترف من يذخر ثروته تلذذاً بالاطلاع عليها والاعتزاز بها كل الأيام دون أن يشارك غيره إياها ولا أن يستثمرها فيما يقوّي روابط الألفة في المجتمع؟Utopia Feast

هكذا يؤكد المؤلف أن دواعي اللذة الفطرية تبقى على حالها في غياب الملكية الخاصة. بعبارة أخرى يتلذذ أهل الجزيرة بلذّات الحياة حسب الغاية التي خلقت من أجلها وهي التلذذ بالمشاركة تقوية للألفة وليس للاستعلاء. والتلذذ بالاستملاك والاستهلاك هو اللتلذذ المقترن بطلب الاستعلاء

من جهة أخرى يشير المؤلف الى ارتباط القصة بمقصود من مقاصد الإيمان. في وصف أهل الجزيرة يركز على الفطرة من حيث التلذذ دواعيه وعواقبه في مجتمع الجزيرة ولكن الارتباط بالإيمان واضح لأن القصة تعكس تماماً الحياة عند السلف الصالح كما تجلت في النص التالي من أعمال الرسل (الفصل الثاني) : “وكان جميع الذين آمنوا جماعة واحدة، يجعلون كل شيء مشتركاً بينهم، يبيعون أملاكهم وأموالهم، ويتقاسمون الثمن على قدر احتياج كل منهم، ويلازمون الهيكل كل يوم بقلب واحد، ويكسرون الخبز في البيوت، ويتناولون الطعام بابتهاج وفرح، يسبحون الله وينالون حظوة عند الشعب كله

إذن، طلب اللذة شيء والإيمان ومقاصده شيء آخر. مع ذلك لا يجوز فصل هذا عن ذاك. لذلك كله لا يجوز اختزال التقوى في الزهد. هناك من يعتقد أن التقوى هو الزهد. هكذا يسيء الفهم الى اللذة ووزنها في الإيمان. الزهد لا بأس به بكونه وسيلة الى التعلق بالمقصود ولكن الزهد في حد ذاته ليس بمقصود من مقاصد الإيمان لأن الإيمان دون اللتلذذ ناقص فماذا يشكر المؤمن عليه دون لذّات الحياة؟

ومن جهة أخرى يوظف المؤلف هذه القصة المشهورة في تاريخ الأدب لينتقد مجتمعه، أي إنجلترا في القرن السادس عشر للميلاد. في مقدمة القصة يشير الى أن دواعي اللذة الفطرية قد خرجت عن مسارها في مجتمعه. لا تُطلب إلا لذة الاستملاك، لذة الاستهلاك، لذة الاستعلاء، دون لذة المشاركة، حيث سعى أهل الجاه الى الاستحواذ على الأراضي العامة وتسييجها دون الاهتمام بالصالح العام. ويقول المؤلف إن ذلك العوج في طلب اللذة يسفر عن عواقب وخيمة منها إغناء القوي وإفقار الضعيف، ومن ثم انتشار الفسادPrivatePropertyKeepOut

ويُرجع المؤلف مرض المجتمع هذا الى فكرة الملكية الخاصة لأن وجود الحق في الملكية الخاصة هو الذي ينشئ الجشع في النفس والطمع في طلب الاستملاك الاستهلاك، الأمر الذي يشوش دواعي اللذة الفطرية

ويشير المؤلف الى الأمر في النص التالي : “من يطلب لذّات المجتمع بحرمان الآخر مما له من حظّ فيها فإنه ظالم. ومن يتعمد التقليل مما له من حظّ في لذّات المجتمع حتى يعين الآخرين فهو إنسان بالفطرة يفعل خيراً يعود عليه بخير يفوق ما كان قد ضحّى به. في الحقيقة يتمتع العقل بذكر ما عرفته من مودة ومحبة ممن ساعدته ونفعته. وفي ذلك يثور فيك شعور من اللذة يفوق ما كان جسدك سيتمتع به مما تخليته عنه تضحية للآخرين

بطبيعة الحال، لم يتوقع المؤلف أن الملكية الخاصة ستتلاشى إلا أنه كتب القصة ليثير التفكر في مركزية اللذة في شؤون المجتمع وإن تجاهلنا الأمر كثيراً ما فإن اللذة تلعب دوراً لا مثيل له في تقوية الألفة في المجتمع أو في نشر الفساد إذا خرجت عن مسارها

ولا بد من التفكر في مسألة اللذة على ضوء أحوالنا اليوم

غني عن القول ما نعيشه اليوم من أزمة في طلب اللذة والمقصود منه. في أسوأ حال بات طلب اللذة إدماناً. يطلب الكثير من الناس اللذة من أجل تنشيط الخلايا العصبية في الدماغ، وذلك عن طريق المخدرات أو الإفراط في ألعاب الحاسوب أو الاطلاع على الإباحيات. والهدف هو إفراز مواد كيميائية تُشعر الإنسان باللذة عند تحفيظها. ولكن اللذة بكونها حركة كيميائية في الدماغ لا تُشبع ولا تُرضي وإن تاق الإنسان اليها. الظاهر هو أن الهدف من طلب اللذة من هذا القبيل هو النسيان. هل يُنسينا طلب اللذة الشعور بالنقص أو الشعور باللاهدفية في الحياة؟

ذلك هو أسوأ حال من حيث الأزمة في طلب اللذة. أما أحسن حال فهو طلب اللذة لإثبات الذات. يعتقد الكثير أن قيمة الإنسان ترجع الى التمتع والتلذذ. أليس الغني هو الذي يعرف لذّات الحياة دون الفقير؟ ألا يتمتع الغني بقيمة في المجتمع لا يتمتع بها الفقير؟ لهذا السبب يتسارع الكثير، وذلك خوفاً على النفس، الى تنزيل الصور من حالات التمتع والتلذذ على المواقع الاجتماعية لإثبات النفس وقيمتها أمام الجماهير

لا يزال السؤال مطروحاً. ما هي الغاية التي خلقت اللذة من أجلها؟ النسيان؟ تبرير النفس؟ أو شيء يكمن في أسرار الإيمان فلا بد من الكشف عنه إلا أن ذلك لا يمكن إلا بالتفاعل مع علم النفس؟ أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته